عبد الرحمن بن عبد السلام الصفوري الشافعي
31
نزهة المجالس ومنتخب النفائس
نقسمها على عدد الرغفان واحدة لي وواحدة لك وواحدة للذي أكل الرغيف فقال : أنا أكلته وأنت تصلي فصار اليهودي كلما أخذ لبنة ثقلت عليه فقال عيسى دعه فسارا ونفس اليهودي تطالبه بالذهب ثم مر باللبنات ثلاثة أنفس فذهب أحدهم ليأتي بطعام فجعل فيه سما ليأخذ اللبنات كلها فلما جاء قتله الاثنان وأكلا من الطعام فماتوا جميعا ، ثم مر عيسى عليه السلام واليهودي بهم وقال انظر يا يهودي هكذا تصنع الدنيا بأهلها ثم دعا لهم فأحياهم اللّه وتابوا عن حب الدنيا ، وأما اليهودي فقال : أعطني المال فقال خذه فهو حظك من الدنيا والآخرة فخسف اللّه به وبالذهب . ( فإن قيل ) كيف أمطر اللّه تعالى على أيوب عليه السلام جرادا من ذهب ؟ ( قيل ) جعله اللّه عوضا من الدود فالجراد نعمة للطائع وعقوبة للعاصي لأنه مخلوق من الذنوب وذلك أن المريض تلقى ذنوبه في البحر فيخلق اللّه منها فإذا مات التمساح صار دودا ثم جرادا بإذن اللّه تعالى . وتقدم في فضل الأدب في كتاب الموت أنه مخلوق من طينة آدم عليه السلام . ( فائدة ) : عن ابن عباس عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « إن اللّه تعالى ناجى موسى عليه السلام بمائة ألف كلمة وأربع وعشرين ألف كلمة في ثلاثة أيام فلما سمع كلام الآدميين مقتهم لما وقع في مسامعه من كلام اللّه تعالى وكان فيما ناجاه به أن قال : يا موسى إنه لم يتصل إلي المتصلون بمثل الزهد في الدنيا ولم يتقرب إلي المتقربون بمثل الورع عما حرمت عليهم ولم يتعبد إلي المتعبدون بمثل البكاء من خشيتي قال موسى : يا رب البرية ويا مالك يوم الدين ويا ذا الجلال والإكرام ما ذا أعددت لهم وبما ذا جازيتهم ؟ قال : أما الزهاد في الدنيا فإني أبحتهم جنتي يتبوءون منها حيث شاءوا ، وأما الورعون عما حرمت عليهم فإني أبيحهم جنتي وأكرمهم فأدخلهم الجنة بغير حساب ، وأما الباكون من خشيتي فأولئك لهم الرفيق الأعلى لا يشاركون فيه » . ( موعظة ) ذكر العلائي في سورة النحل أن إبليس يعرض الدنيا على من لا يريدها كل يوم فيقول من يشتري شيئا يضره ولا ينفعه ويهمه ولا يسره فيقول عشاقها وأصحابها نحن فيقول إنها معيوبة فيقول لا بأس فيقول ثمنها ليس بالدرهم ولا بالدينار ولكن بنصيبكم من الجنة فإني اشتريتها بأربعة أشياء : بلعنة اللّه وغضبه وسخطه وعذابه وبعت الجنة بها فيقولون يجوز لنا ذلك فيقول : أريد أن أربح بأن توطنوا قلوبكم على أن لا تدعوها أبدا فيقولون نعم فيبيعهم إياها علم ذلك ثم يقول : بئست التجارة . ورأيت في سفينة الأبرار أن اللّه تعالى خلق الدارين ونصب لهما دلالين فدلال الجنة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم وبائعها المولى جل وعلا وثمنها التوحيد وبذل المال والنفس ، ودلال الدنيا إبليس لعنه اللّه ومشتريها الراغبون فيها وثمنها ترك الدين . وقال بعض الحكماء : الدنيا ميراث المغرورين ومسكن البطالين وسوق الراغبين وميدان الفاسقين ومراح الكافرين وسجن المؤمنين ومزبلة المتقين . زاد مؤلفه رحمه اللّه تعالى : ومزرعة العاملين لأن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « حب الدنيا رأس كل خطيئة » وما قال أخذها رأس كل خطيئة والمحبة محلها القلب والقلب لا يكون فيه إلا اللّه تعالى ، وأما أخذها فقد يكون عونا على الآخرة . قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم :